ابن عبد البر

262

الدرر في اختصار المغازي والسير

إسلام « 1 » ثقيف / ولما كان في رمضان سنة تسع من الهجرة منصرف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من تبوك أتاه وفد ثقيف . وقد كان عروة بن مسعود الثقفي لحق برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في حين انصرافه من حصار الطائف ، فأدركه قبل أن يدخل المدينة ، فأسلم . وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام ، وكان سيد قومه ثقيف ، فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : إنهم قاتلوك . وعرف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - امتناعهم « 2 » ونخوتهم ، فقال : يا رسول اللّه إني أحبّ إليهم من أبكارهم « 3 » . ووثق بمكانه منهم فانصرف إليهم ودعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنه قد أسلم . فرموه بالنّبل ، فأصابه سهم ، فقتله . فزعمت بنو مالك أنه قتله رجل منهم ، فقيل له : ما ترى في دمك ؟ فقال : كرامة أكرمني اللّه بها ، وشهادة ساقها إلىّ ، فليس فىّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قبل أن يدخل « 4 » إليكم . وأوصى أن يدفن معهم . فهو مدفون - خارج الطائف - مع الشهداء . وذكروا أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : مثله في قومه مثل صاحب ياسين « 5 » في قومه . ثم إن ثقيفا رأوا أن لا طاقة لهم بما هم فيه من خلاف جميع العرب ومغاورتهم لهم والتضييق عليهم ، فاجتمعوا على أن يرسلوا من أنفسهم رسولا ، كما أرسلوا عروة ، فكلّموا / عبد ياليل بن عمرو بن عمير ، وكان في سنّ عروة بن مسعود ، في ذلك ، فأبى أن يفعل ، وخشي أن يصنع به ما صنع بعروة بن مسعود ، وقال : لست فاعلا إلا أن ترسلوا معي رجالا . فأجمعوا على أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بنى مالك فيكونوا ستة . فبعثوا مع عبد ياليل : الحكم بن عمرو بن وهب بن معتّب ، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة من بنى معتب « 6 » ، ومن بنى

--> ( 1 ) انظر في اسلام ثقيف ابن هشام 4 / 182 وابن سعد ج 1 ق 2 ص 52 وتاريخ الطبري 3 / 96 وابن حزم ص 255 وابن سيد الناس 2 / 228 وابن كثير 5 / 29 ( 2 ) في ابن هشام : نخوة الامتناع الذي كان منهم ( 3 ) قال ابن هشام : ويقال من أبصارهم ( 4 ) في ابن هشام : قبل أن يرتحل عنكم ( 5 ) ياسين ، أي سورة ياسين ( 6 ) هما مثل عبد ياليل من الاحلاف